محمد غازي عرابي
1058
التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم
أما الواسطة الثانية للمخاطبة فهي الصور ، وكنا تحدثنا عن السوق في الجنة التي ليس فيها بيع ولا شراء إلا الصور من الرجال والنساء فهذه الصور هي ما وصفت هنا بأنها ولدان ، وهؤلاء الوالدان مخلدون ، لأن الصور خالدة ، وقالوا في هذه الصور ، التي هي الأعيان الثانية ، إنها متأخرة عن اللّه بالذات لا بالزمان ، وقلنا إنها إشعاع منبعث عن اللّه كما تبث الشمس أشعتها ، فتكون هي هو ، وتكون هي لا هو ، وتكون هي هي ، وتكون هي لا هي ، والأكواب والأباريق إشارة إلى الأطر التي تظهر بها الصور ، ولقد ظهر جبريل للنبي في شخص دحية الكلبي أجمل الناس وجها . والحقيقة كما قال هيغل إن الوجود العياني كله هو ظهور للروح ، وضرب اللّه لرسوله مثلا لظهور روحه في شخص دحية ، فالأطر العيانية هي الأكواب والأباريق ، وثمت لطيفة في الأكواب والأباريق ، إذ الأكواب أقداح لا عرى لها ، أي لا آذان أو أيد ، والأباريق لها عرى وخراطيم ، والإشارة إلى الظاهر والباطن من الإنسان ، فالكوب بلا عرى إشارة إلى الباطن وهو مكان ظهور الروح أي محل للمخاطبة ، ولهذا قلنا إن الإنسان بوق وجهاز استقبال وإرسال لا سلكي ، أما الإبريق فإشارة إلى ظاهر الإنسان ، وهو ظهور للروح أيضا ، وعبر عن الظاهر بأذني الإبريق ، والإشارة إلى حواس الإنسان الظاهرة من سمع وبصر وكلام . فالعالم الظاهر صار دابة للإنسان المصطفى والمجتبى ، وبهذا تكون الدنيا عند المكاشفين قد تحولت إلى آخرة ، كما قيل في العارفين إنهم أقوام ماتوا ، ثم حشروا ، وأحكموا مقام الفناء ، ثم رقوا إلى مقام البقاء ، فيكون لهم في كل مدخل ومخرج برهان وبيان بإذن من اللّه تعالى ، فهم على بصيرة من ربهم ، وقال ابن عربي : للعارفين مقام الآخرة في الدنيا . فدابة العارف المقرب وحدوية حسية ، أو هي الجسم الكلي ، وهي الدابة التي قال فيها سبحانه : ما دَلَّهُمْ عَلى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ [ سبأ : 14 ] ، وهي الناقة التي قال فيها سبحانه : ناقَةَ اللَّهِ وَسُقْياها [ الشمس : 13 ] ، فالعارفون بلغوا الآخرة وهم في الدنيا ، وزويت لهم الأرض ، وهم في سلام دائم وعيش ناعم ، والدنيا صارت لهم قرة أعين ، وهم في أحضان الألوهية يحبرون ، فسبحان من جعل الدنيا مطية إلى الآخرة ، وسبحان من عجل لعبده المصطفى بلوغ الآخرة ، ولقد حدثنا رسول اللّه عن الجنة وأهلها ، وعن النار وأهلها ، وقال مثلا : اطلعت في النار فرأيت أكثر أهلها من النساء . [ سورة الواقعة ( 56 ) : الآيات 20 إلى 26 ] وَفاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ ( 20 ) وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ ( 21 ) وَحُورٌ عِينٌ ( 22 ) كَأَمْثالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ ( 23 ) جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ ( 24 ) لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً وَلا تَأْثِيماً ( 25 ) إِلاَّ قِيلاً سَلاماً سَلاماً ( 26 ) [ الواقعة : 20 ، 26 ]